أبي الفرج الأصفهاني
199
الأغاني
فإن سألت عنّي حضور فقل لها به غبّر [ 1 ] من دائه وهو صالح فأمرني الواثق فكتبت له الشعرين . فلمّا كان بعد أيّام دعاني فقال : قد صنع بعض عجائز دارنا الشعرين لحنا فاسمعه ، فإن ارتضيته أظهرناه وإن رأيت فيه موضع إصلاح أصلحته . فغنّي لنا من وراء الستار ، فكان في نهاية الجودة ، وكذلك كان يفعل إذا صنع شيئا . فقلت له : أحسن واللَّه صانعه يا أمير المؤمنين ما شاء ! . فقال : بحياتي ؟ فقلت : وحياتك ، / وحلفت له بما وثق به ، وأمر لي برطل فشربته ، ثم أخذ العود فغنّاه ثلاث مرات ، وسقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف درهم . فلما كان بعد أيّام دعاني فقال : قد صنع أيضا عندنا في الشعر الآخر ، وأمر فغنّي به ؛ فكانت حالي فيه مثل الحال في الأوّل . فلما استحسنته وحلفت له على جودته ثلاث مرات ، سقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف درهم . ثم قال لي : هل قضيت حقّ هديّتك ؟ فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ؛ فأطال اللَّه بقاءك ، وتمّم نعمتك ، ولا أفقدنيها منك وبك . ثم قال : لكنك لم تقض حقّ جليسك الأعرابيّ ولا سألتني معونته على أمره ، وقد سبقت مسألتك وكتبت بخبره إلى صاحب الحجاز وأمرته بإحضاره ، وخطبت المرأة له وحمل صداقها إلى قومها عنه من مالي . فقبّلت يديه وقلت : السّبق إلى المكارم لك ، وأنت أولى بها من عبدك ومن سائر الناس . نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني : منها الصوتان اللذان في الأخبار المتقدّمة . صوت حتى إذا الليل خبا ضوءه وغابت الجوزاء والمرزم أقبلت والوطء خفيّ كما ينساب من مكمنه الأرقم ذكر يحيى المكيّ أنّ اللحن لابن سريج رمل بالسبّابة في مجرى البنصر ، وذكر الهشاميّ أنه منحول . طرب شيخ لسماع مغنية فرمى بنفسه في الفرات : فأخبرني أحمد بن عبيد اللَّه بن عمّار وإسماعيل بن يونس وغيرهما قالوا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن ابن كناسة قال : إصطحب شيخ مع شباب في سفينة في الفرات ومعهم مغنّية . فلمّا صاروا في بعض الطريق قالوا للشيخ : معنا جارية لبعضنا وهي مغنّية ، فأحببنا أن نسمع غناءها فهبناك ، فإن أذنت لنا فعلنا . قال : أنا أصعد إلى طلل [ 2 ] السفينة ، فاصنعوا أنتم ما شئتم . فصعد ، وأخذت الجارية عودها فغنّت : حتى إذا الصبح بدا ضوءه وغابت الجوزاء والمرزم أقبلت والوطء خفيّ كما ينساب من مكمنه الأرقم
--> [ 1 ] غبر الشيء : بقيته . [ 2 ] في الأصول : « ظلال السفينة » بالظاء المعجمة . والتصويب عن كتب اللغة . وطلل السفينة : جلالها ، وهو غطاء تغشى به كالسقف للبيت .